23/07/2026
سيكولوجية انتظار الحياة
لماذا يؤجل الإنسان حياته وهو يظن أنه يستعد لها؟
دعني أسألك سؤالًا
هل سبق أن قلت لنفسك:
سأبدأ عندما أصبح أفضل
سأعيش عندما أملك المال الكافي
سأرتاح عندما تنتهي هذه المرحلة
سأكون سعيدًا عندما أصل إلى هدفي
ثم مرّت السنوات، واكتشفت أن كل هدف وصلت إليه أنجب هدفًا آخر، وأن كل نهاية انتظرتها تحولت إلى بداية سباق جديد، وأن الحياة التي كنت تؤجلها إلى الغد كانت تنقضي بصمت، بينما كنت منشغلًا بالاستعداد لها؟
وهل سألت نفسك يومًا
كم مرة اعتقدت أن المستقبل سيمنحك أخيرًا الشعور الذي عجز الحاضر عن منحه لك؟
وكم مرة أقنعت نفسك بأن المشكلة ليست في طريقة عيشك، بل في أن الوقت المناسب لم يأتِ بعد؟
وماذا لو أخبرتك
أن أخطر عادة نفسية لا تتمثل في الفشل، ولا في الحزن، ولا حتى في الخوف بل في أن يتحول انتظار الحياة إلى أسلوب حياة؟
في هذا الحوار
لا أريد أن أحدثك عن التفاؤل السطحي الذي يردد أن تعش اللحظة وكأنها مجرد شعار جميل، ولا عن التنمية البشرية التي تعدك بأن كل شيء سيتغير بمجرد أن تغير طريقة تفكيرك
بل أريد أن أناقش معك واحدة من أكثر الأوهام النفسية انتشارًا، والتي تجعل الإنسان يقضي عمره كله في تجهيز نفسه للعيش، دون أن يلاحظ أنه لم يعش يومًا واحدًا بكامل حضوره.
لأن السؤال الحقيقي ليس:
لماذا ننتظر المستقبل؟
بل:
لماذا أصبح الحاضر في نظرنا مجرد محطة عبور لا تستحق أن تُعاش؟
كان الفيلسوف ليو تولستوي يرى أن مأساة الإنسان ليست أنه يموت، بل أنه يقضي معظم حياته وهو ينتظر أن تبدأ حياته، فيعيش أسيرًا لصورة مثالية عن المستقبل، بينما الواقع الذي بين يديه يتسرب منه لحظة بعد أخرى دون أن يشعر بقيمته.
ثم جاء آلان واتس ليقول إن الإنسان الحديث يعيش وكأنه آلة مبرمجة على الوصول، لا على الوجود، فيركض خلف الغاية حتى ينسى الطريق، ويؤجل الفرح حتى يفقد القدرة على الشعور به، ويؤجل السلام حتى يصبح القلق جزءًا من هويته، ويؤجل نفسه إلى زمن قد لا يأتي أبدًا.
ولهذا
فإن كثيرًا من الناس لا يعيشون الحاضر، بل يعيشون فكرة المستقبل.
ويشرح علم النفس المعرفي أن الدماغ يمتلك ميلًا دائمًا إلى الاعتقاد بأن السعادة توجد في المرحلة التالية، وهي الظاهرة التي ترتبط بما يعرف بالتوقعات المستقبلية والتكيف النفسي، حيث يعتاد الإنسان بسرعة على كل إنجاز يحققه، ثم يبدأ مباشرة في البحث عن إنجاز آخر، وكأن الرضا يتحرك دائمًا خطوة إلى الأمام كلما اقتربنا منه.
ولهذا
قد يقضي الإنسان حياته كلها وهو يطارد أفقًا كلما اقترب منه ابتعد أكثر.
وكان الفيلسوف سورين كيركغارد يقول إن الإنسان يعيش بين خوفين؛ خوف مما مضى، وخوف مما سيأتي، لكنه نادرًا ما يسكن اللحظة الوحيدة التي يملكها فعلًا، وهي هذه اللحظة التي يتنفس فيها الآن.
أما عالم النفس فيكتور فرانكل، فقد رأى أن المعنى لا ينتظرنا في نهاية الطريق، بل يولد أثناء السير، وأن من يؤجل الحياة حتى تتحقق الظروف المثالية، قد يكتشف في النهاية أن الظروف تغيرت، لكن عادة التأجيل بقيت كما هي.

ولهذا

فإن المشكلة ليست أن المستقبل بعيد، بل أن وعينا غائب عن الحاضر.
وتشير أبحاث علم النفس الإيجابي إلى أن الإنسان الذي يربط قيمته دائمًا بما سيحققه لاحقًا يصبح أكثر عرضة للقلق المزمن، لأنه يعيش في حالة نقص مستمرة، فيشعر أن ما يملكه الآن لا يكفي أبدًا، وأنه لا يستحق الراحة إلا بعد إنجاز جديد، ثم بعده إنجاز آخر، ثم آخر، حتى تتحول الحياة كلها إلى قائمة لا تنتهي من الشروط المؤجلة.
ولهذا
فإن بعض الناس لا يخسرون أعمارهم بسبب قلة السنوات، بل بسبب كثرة الأيام التي لم يعيشوها وهم حاضرون فيها.
وكان آلان واتس يردد أن الإنسان يعامل الحياة كما لو كانت رحلة قطار، ينشغل فيها بالنزول في المحطة الأخيرة، وينسى أن الرحلة نفسها هي المقصودة.
فإذا جعلت الوصول هو الغاية الوحيدة فسوف تكتشف عند كل وصول أن قلبك بدأ يبحث عن محطة أخرى.
بين علم النفس والإسلام
يدعو الإسلام الإنسان إلى اغتنام عمره وعدم تأجيل العمل الصالح أو إصلاح النفس، لأن الزمن الحقيقي هو ما يملكه الآن، ولأن الإنسان لا يعلم متى تنتهي رحلته، ولذلك كان الوعي بقيمة اللحظة جزءًا من الحكمة، لا دعوة إلى الكسل، بل دعوة إلى أن يعيش الإنسان يومه بقلب حاضر وهو يسعى إلى مستقبله، دون أن يجعل المستقبل يسرق منه حياته.
الخلاصة
ربما ليست المشكلة أن الحياة قصيرة بل أن الإنسان يقضي جزءًا كبيرًا منها وهو ينتظر الوقت الذي سيبدأ فيه العيش.
وربما لهذا السبب
فإن أخطر أنواع الانتظار ليس انتظار الفرصة، ولا انتظار النجاح، ولا انتظار الحب بل انتظار أن تصبح شخصًا آخر حتى تسمح لنفسك بأن تعيش.
لأن الحياة
لا تبدأ عندما تنتهي مشكلاتك
ولا عندما يكتمل كل شيء
ولا عندما تصبح النسخة المثالية التي رسمتها في خيالك
بل تبدأ في اللحظة التي تدرك فيها أن ما تبحث عنه في الغد، قد يكون موجودًا في طريقة حضورك اليوم.
وفي النهاية أترك لك هذا السؤال
لو علمت يقينًا أن حياتك لن تصبح يومًا أكثر كمالًا مما هي عليه الآن فهل ستظل تؤجل عيشها أم ستكتشف أن اللحظة التي كنت تنتظرها منذ سنوات كانت هذه اللحظة؟
أحمد أسلافي
Ahmed Aslafy