15/08/2026
سؤال دكتور: شركة تحصيل ديون تريد أن تشتري ديون لي عند آخرين بأقل من قيمتها… هل هذا حلال؟
تكييف المعاملة فقهيا
أنت تملك ديناً مؤجلاً (حقاً نقدياً) في ذمة شخص مدينٍ وتعرضه على شركة تحصيل وهي طرفٌ ثالث ليست هي المدين فتدفع لك نقداً حالاً أقلَّ من قيمة الدين، وتنتظر هي استيفاء الدين كاملاً عند حلول الأجل، فهذه صورة بيع الدين المؤجل لغير من هو عليه بنقدٍ حالٍّ أنقص منه، وهي بعينها حقيقة خصم الأوراق التجارية لدى غير المدين. وينبغي التمييز بينها وبين بيع الدين للمدين نفسه (وله أحكام أخرى)
الحكم الشرعي
المعاملة على هذه الصورة غير جائزة شرعاً، وهو ما نصّ عليه مجمع الفقه الإسلامي الدولي صراحةً في قراره رقم ١٠١ (١١/٤) بشأن بيع الدين وسندات المقارضة، من أنه لا يجوز بيع الدين المؤجل لغير المدين بنقدٍ معجّل، سواء أكان من جنس الدين أم من غير جنسه. ثم فصّل المجمع الصور الجائزة والممنوعة في قراره رقم ١٥٨ (١٧/٧) بشأن بيع الدين (الدورة السابعة عشرة، عمّان ١٤٢٧هـ)، فقصر الجواز في بيع الدين لطرفٍ ثالث على صورٍ محددة ليست منها صورتك كبيع الدين بقيمته الاسمية بعملةٍ أخرى بسعر يوم المعاملة، أو مقابل سلعةٍ معينة أو منفعةٍ معينة، أو ضمن خليطٍ تغلب فيه الأعيان والمنافع.
علة التحريم ترجع إلى أمرين: الأول أن حقيقة الدين نقود فتكون المعاملة دفع مبلغٍ نقدا في مقابل مبلغٍ مؤجلٍ أكبر من جنسه، وهو دخولٌ في باب الربا من جهتيه الفضل بنقص المدفوع عما سيحصل والنسيئة بتأجيل التحصيل. والثاني الغرر في محلّ العقد؛ إذ الدين المبيع غير مضمون التحصيل لاحتمال إعسار المدين أو مماطلته أو جحوده، وبيع ما لا يُقدَر على تسليمه منهيٌّ عنه.
البدائل الشرعية المنضبطة
إذا كان مقصودك الحصول على سيولة عاجلة فيمكن ذلك بطرقٍ سليمة شرعا:
أولها أن تُجري تورقاً حقيقياً مستقلاً لتمويل حاجتك ، تشتري سلعةً حقيقية (غير الذهب والفضة والنقود) بثمنٍ مؤجل، ثم تبيعها أنت لطرفٍ ثالث في السوق نقداً وتُبقي دينك على حاله تستوفيه من مدينه عندما يحين أجله. والشرط ألّا يتولى الممول ترتيب بيع السلعة أو يشترط عودتها إليه، وإلا انقلب إلى التورق المنظم الممنوع بقرار المجمع رقم ١٧٩ (١٩/٥).
ثانيها التصرف في الدين ذاته بأن تعرضه على المدين نفسه لا على طرفٍ ثالث بصيغة ضَعْ وتعجَّل، أي يدفع لك نقاد وحالا جزءاً من الدين مقابل تنازلك عن جزء منه، وقد أجازها مجمع الفقه الإسلامي بشرط أن تكون تنازلاً اختيارياً عند السداد لا حسماً متفقاً عليه سلفاً مقابل الأجل.
ثالثها حوالة الدين، إن كان عليك دينٌ لدائنٍ آخر في الوقت نفسه، فلك أن تُحيله على المدين ليستوفي دائنك حقّه منه مباشرة، فتبرأ ذمتك وينتقل الدين الذي عليك إلى المدين دون بيعٍ للنقد بالنقد. وهي بهذا أداةُ سدادٍ لالتزامٍ قائم ولا تدخل في المنع لأنها نقلٌ للدين ووفاءٌ به وليس معاوضةً يُتاجَر فيها بالدين؛ ولذلك أفردها الفقهاء عن البيوع وجعلوها من عقود الإرفاق، وثبت جوازها بقوله ﷺ: "وإذا أُتبِع أحدكم على مليء فليَتبع"
والله أعلم